قروض مجانية تتحمّلها البنوك: هل الأمر 148 فكرة سيئة أم فكرة لم تكتمل؟
يُلزم الأمر عدد 148 لسنة 2026 المؤرّخ في 23 جويلية، والصادر بالرائد الرسمي يوم 24 جويلية، كل بنك بتخصيص ما لا يقل عن 8 بالمائة من أرباح السنة الفارطة (تُقدَّر بنحو 120 إلى 129 مليون دينار من أرباح 2025) لقروض بدون فائدة وبدون ضمان وبدون مصاريف ملف: إلى حدود 5 آلاف دينار للأفراد، و10 آلاف لأصحاب المشاريع الصغرى، و25 ألفا للمؤسسات الصغرى والشركات الأهلية، تُسدَّد على سنتين. وبعد أسبوعين، ما زالت البنوك لا تقبل المطالب (ويقدّر أستاذ القانون البنكي محمد النخيلي أن تُصرف القروض الأولى في بداية سبتمبر)، ولم يصدر البنك المركزي أي منشور ولم يتطرق إلى الآلية إطلاقا مع إبقائه نسبة الفائدة المديرية في 7 بالمائة، فيما تراجع مؤشر توننداكس بنسبة 3.16 بالمائة يوم 28 جويلية ما أدى إلى تعليق المعاملات. ومنذ ذلك الحين يتجادل الاقتصاديون والمحللون والصحف في تونس، لا حول ما إذا كان القرض الرخيص أمرا جيدا، بل حول من سيتحمّل كلفته وما إذا كان النصّ قابلا للتطبيق أصلا.
ما يتفقون عليه
لا أحد منهم ينكر أنّ الحاجة حقيقية: فالقرض البنكي مكلف ويصعب على العائلات والمؤسسات الصغرى الوصول إليه، وقد أغلق إصلاح الشيك لسنة 2024 قناة تمويل غير رسمية دون أن يعوّضها. ويصل الجميع تقريبا إلى الرقم نفسه (بين 100 و130 مليون دينار)، ويصفه الجميع بأنه ضئيل. ويتفقون كذلك على أمرين كثيرا ما يسيء الرأي العام فهمهما: لا أحد له حقّ آلي في المال، ويبقى للبنك تقديره لكل ملف على حدة، والخسارة، إن وقعت، تظلّ في حسابات البنك نفسه دون تعويض من الدولة ودون آلية استخلاص مخصّصة. ولا أحد يدافع عن النصّ باعتباره مكتملا، حتى أكثر قرّائه تعاطفا معه يعامله كشيء يحتاج أولا إلى هندسة تجعله قابلا للعمل.
أين يختلفون
الخلاف هو حول الأداة أم حول التنفيذ. فبلحاج والرواعي والخبير يهاجمون التصميم: لا يمكن أن تأمر مقرضا بأن يُقرض دون تسعير المخاطر، ولا يمكن أن تضع خطا مجانيا فوق نسبة تفاضلية أحدثتها أنت قبل تسعة أشهر، ولا يمكن أن تخصّص ربحا سبق أن قبضه المساهمون. وعلى هذه القراءة، لن تصلح المناشير الإضافية شيئا. أما النيفر والعياري فيقرآن في المقابل أداة قابلة للاستعمال لكن أُسيء شرحها: فجوة الضمانات حقيقية، والمبالغ صغيرة، والناقص هو المطبوعات والمعايير وتاريخ الانطلاق، لا الفكرة نفسها. وتقف بوعلاقي على خطّ الصدع: التناقض مع نسبة فائدة مديرية في 7 بالمائة حقيقي لكنه مبالغ فيه، وأخطر عيب إلى حدّ الآن هو صمت المؤسسات لا الأمر نفسه. وتحت كل ذلك يكمن جدال أقدم حول ملكية أرباح البنوك.
ما لا يقوله أحد
يُدار الجدل كله انطلاقا من الميزانية. المدّخرات والأرباح الموزّعة وأسعار الأسهم والـ8 بالمائة ومسألة ما إذا كان البنك المركزي سيتولى مراقبتها؛ كل مساهمة تسعّر المخاطر من جهة البنك. ولا أحد يسعّرها من جهة المقترض. والعياري هو الأقرب إلى ذلك ثم يتوقف: ففي حال التخلّف عن السداد، يقول، يمكن للبنك أن يتّبع «الإجراءات المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل»: دون أن يسأل أحد ما هي تلك الإجراءات. فالأمر يمنع الضمانات، وكما تلاحظ الخبير، لا يوجّه أي عقوبة نحو المقترض، ومع ذلك لم يوضّح أحد ما الذي يحدث فعلا لشخص لا يقدر على إرجاع 5 آلاف دينار: أيّ استخلاص، وأيّ تسجيل، وأيّ أثر على وصوله مستقبلا إلى القروض أو إلى دفتر الشيكات: وذلك داخل آلية قانونها الأمّ هو إصلاح الشيك لسنة 2024، الذي كُتب تحديدا لتشديد التعامل مع الديون غير المسدّدة. والفجوة الثانية هي السوق التي تنزل عليها هذه القروض. ففي تونس 288 مؤسسة وجمعية للتمويل الصغير، والمقترضون أنفسهم يدفعون اليوم مردودية محفظة تناهز 22 بالمائة لدى «إندا تمويل» و30 بالمائة لدى «تيسير». وقرض بنكي مجاني بقيمة 5 آلاف دينار ينزل مباشرة فوق الفئة نفسها من الزبائن. وقد ساق صادق الرواعي هذا الاستدلال بعينه بخصوص النسبة التفاضلية التي أقرّها البنك المركزي للشركات الأهلية؛ ولم يسقه أحد على التمويل الصغير: مع أنّ الأرقام نُشرت في جوان من إحدى الصحف نفسها التي تتجادل الآن حول الأمر.
يصف بلحاج الإجراء بأنه سخيّ اجتماعيا للوهلة الأولى، ثم يعدّد أربع ثغرات. فالبنوك مُجبَرة على الإقراض دون تسعير المخاطر، وهو ما يتعارض مع منطقها التجاري الأساسي، والاستجابة المتوقعة هي انتقاء صامت للملفات الأقل خطورة، وهو ما يفرّغ الهدف الاجتماعي من مضمونه. ويؤكد الأمر المساواة بين طالبي القروض لكنه لا يبيّن كيف تُقيَّم القدرة على السداد في غياب الضمانات، مما يترك المجال لتمييز غير معلن؛ كما أنّ غلافا في حدود 120 مليون دينار يجعل الإجراء رمزيا أكثر منه حاسما. وبعد أيام أضاف أنّ الآلية تظلّ غير قابلة للتطبيق ما لم ينشر البنك المركزي منشورا.
”Les banques sont tenues d'accorder des crédits sans tarification du risque, ce qui va à l'encontre de leur logique commerciale fondamentale”البنوك مُلزَمة بمنح قروض دون تسعير المخاطر، وهو ما يتعارض مع منطقها التجاري الأساسي
يقلب النيفر الزاوية: فبدل أن يكون القرض على الشرف سيفا مسلّطا على جودة أصول البنوك، يمكن أن يكون أداة إضافية للتصرف في المخاطر. فبالنسبة إلى مؤسسة صغيرة لديها دفتر طلبيات متين لكنّ ميزانيتها غير مقنعة، يسدّ هذا القرض فجوة الضمانات، ويمكن منحه بسرعة حيث يستغرق الرهن أو الرهن العقاري أسابيع؛ كما يمكن أن يغطّي استحقاقات جبائية واستحقاقات الضمان الاجتماعي ويجنّب المؤسسة كشفا بنكيا مكلفا. غير أنه ليس بلا انتقاد: ففي تحليله للسوق قبل أسبوع، أرجع جزءا من تراجع مؤشر البنوك وتعليق المعاملات ببورصة تونس إلى شروع المستثمرين في احتساب اقتطاع الـ8 بالمائة في التقييمات.
”Le crédit sur l'honneur peut jouer un rôle de catalyseur, une sorte d'effet de levier pour les dossiers fragiles mais viables.”يمكن للقرض على الشرف أن يؤدي دور المحفّز، أي رافعة للملفات الهشّة التي تبقى مع ذلك قابلة للحياة.
لا يهاجم الرواعي الكلفة بل الانسجام. ففي نوفمبر 2025 أحدث منشور البنك المركزي عدد 2025-14 نظاما تفاضليا يتيح للبنوك تمويل الشركات الأهلية من مواردها الخاصة بنسبة فائدة لا تتجاوز نسبة السوق النقدية زائد 1 بالمائة. وبعد تسعة أشهر، صار في إمكان المنتفعين أنفسهم الحصول على ما يصل إلى 25 ألف دينار مجانا. ويقول إنّ أحدا لن يختار النسبة التفاضلية: فالنظام الجديد يجعل النظام السابق عديم الجدوى عمليا، ولم يعد هذا سياسة تمويل بل سلسلة إجراءات مكدّسة فوق بعضها لإسناد مشروع رُفع إلى مرتبة أولوية رئاسية، مهما كانت الكلفة.
”Quelle entreprise communautaire accepterait aujourd'hui un crédit bancaire à TMM + 1 %, alors qu'elle peut obtenir jusqu'à 25 000 dinars sans intérêt ?”أيّ شركة أهلية تقبل اليوم قرضا بنكيا بنسبة السوق النقدية زائد 1 بالمائة، وهي تستطيع الحصول على ما يصل إلى 25 ألف دينار بدون فائدة؟
العياري، وهو أكثر الأصوات نقلا في هذا الملف، يعمل على ضبط توقعات الناس أكثر مما يدين النصّ. فالقرض مفتوح لكل شخص طبيعي مهما كانت مهنته أو وضعيته (موظفون، أجراء، تجار، فلاحون)، غير أنّ التصريح على الشرف لا يمنح أي حق في المال. فكل مطلب يدرسه البنك الذي لديه عشرة أيام عمل على أقصى تقدير للردّ وعليه تعليل الرفض، والذي يحتفظ بتقديره للقدرة على السداد. وهذه ليست مساعدة اجتماعية ولا منحة: فالمبالغ يجب أن تُسدَّد كاملة، وفي حال التخلّف عن السداد يمكن للبنك أن يتّبع الإجراءات التي يجيزها القانون.
”Un crédit sans intérêts reste un crédit”القرض بدون فائدة يبقى قرضا
تنقل بوعلاقي السؤال من مضمون الأمر إلى صمت المؤسسات. فأن يقترض البعض بنسبة 0 بالمائة في حين تبقى نسبة الفائدة المديرية في 7 بالمائة أمر ممكن قانونا، وهو بـ120 مليون دينار هامشي على المستوى الاقتصادي الكلي، على حدّ قولها؛ والمشكل أنّ لا الحكومة ولا البنك المركزي يشرح كيف يستقيم الأمران معا. لا ندوة صحفية، ولا وزير يعرض الفلسفة، ولا كلمة من البنك المركزي التونسي عن آلية يُفترض أن يشرف عليها، ولا رزنامة انتقالية لبنوك سبق لجلساتها العامة أن خصّصت أرباح 2025. وفي هذا الفراغ، تكتب، فإنّ اتهام البنوك بالتمرّد بعد أيام من صدور النصّ محاكمة نوايا: فالبنك لا يستطيع أن يرفض فتح الخط، لكنه يستطيع أن يرفض ملفا بعينه.
”aucun des deux n'explique aux passagers où va le train, ni même qui le conduit”لا أحد منهما يشرح للركّاب إلى أين يتجه القطار، ولا حتى من الذي يقوده
تقرأ الجريدة الأمر بوصفه موازين قوى: فالدولة تفرض اليوم بالترتيب ما عجزت الحوافز عن تحقيقه منذ دخول القانون عدد 41 لسنة 2024 حيّز التنفيذ، والنصّ، كما تكتب، لا يخدم مصلحة البنوك في شيء. غير أنها تصف الأساس القانوني بالهشّ. فالـ8 بالمائة تُقتطع من أرباح 2025 التي سبق للجلسات العامة أن صادقت على توزيعها وصرفتها بين أفريل وجوان 2026، أي من أرباح وقع توزيعها فعلا. ولا يوجد مسار منظّم للاستخلاص ما دامت الضمانات ممنوعة، والعقوبات الواردة في الأمر تطال البنك لا المقترض الذي يتخلّف عن السداد. وسؤالها هو: هل ستتحول الـ8 بالمائة فعلا إلى تمويلات مصروفة، أم ستلتحق بقائمة الالتزامات القانونية التي نجحت الممارسة البنكية في تونس، مع مرور الوقت، في تعطيل مفعولها؟
”فالدولة تعتزم اليوم أن تفرض بالإلزام الترتيبي ما لم تُفلح الحوافز في تحقيقه”الدولة تعتزم اليوم أن تفرض بالترتيب ما عجزت الحوافز عن تحقيقه